أبي الفرج الأصفهاني

64

الأغاني

يا معشر بني أسد تعلمون ! واللَّه إنّ عيون امرئ القيس قد أتتكم ورجعت إليه بخبركم ، فارحلوا بليل ولا تعلموا بني كنانة ، ففعلوا . وأقبل امرؤ القيس بمن معه من بكر وتغلب حتى انتهى إلى بني كنانة وهو يحسبهم بني أسد فوضع السّلاح فيهم وقال : يا لثارات الملك ! يا لثارات الهمام ! فخرجت إليه عجوز من بني كنانة فقالت : أبيت اللَّعن ! لسنا لك بثأر ، / نحن من كنانة ، فدونك ثأرك فاطلبهم فإن القوم قد شاروا بالأمس . فتبع بني أسد ففاتوه ليلتهم تلك - فقال في ذلك : ألا يالهف هند إثر قوم هم كانوا الشفاء فلم يصابوا وقاهم جدّهم [ 1 ] ببني أبيهم وبالأشقين ما كان العقاب وأفلتهنّ علباء جريضا [ 2 ] ولو أدركنه صفر الوطاب يعني ببني أبيهم [ 3 ] بني كنانة ، لأن أسدا وكنانة ابني خزيمة أخوان . أخبرني أبو خليفة عن محمد / بن سلَّام قال : سمعت رجلا سأل يونس عن قوله « صفر الوطاب » ، فقال : سألنا رؤبة عنه فقال : لو أدركوه قتلوه وساقوا إبله فصفرت وطابه من اللَّبن . وقال غيره : صفر الوطاب أي إنه كان يقتل فيكون جسمه صفرا من دمه كما يكون الوطاب صفرا من اللَّبن . [ وأدركهم [ 4 ] ] ظهرا وقد تقطَّعت خيله وقطع أعناقهم العطش ، وبنو أسد جامّون [ 5 ] على الماء ، فنهد إليهم فقاتلهم حتى كثرت الجرحى والقتلى فيهم ، وحجز اللَّيل بينهم ، وهربت بنو أسد . فلما أصبحت بكر وتغلب أبوا أن يتّبعوهم وقالوا له : قد أصبت ثأرك . قال : واللَّه ما فعلت ولا أصبت من بني كاهل ولا من غيرهم / من بني أسد أحدا . قالوا : بلى ، ولكنك رجل مشئوم . وكرهوا قتالهم بني كنانة [ 6 ] وانصرفوا عنه . ومضى هاربا لوجهه حتى لحق بحمير . يلجأ إلى عمرو بن المنذر : وقال ابن السّكَّيت حدّثني خالد الكلابيّ : أن امرأ القيس لمّا أقبل من الحرب على فرسه الشّقراء لجأ إلى ابن عمّته عمرو بن المنذر - وأمّه هند بنت عمرو بن حجر بن آكل المرار ، وذلك بعد قتل أبيه وأعمامه وتفرّق ملك أهل بيته ، وكان عمرو يومئذ خليفة لأبيه المنذر ببقّة وهي بين الأنبار وهيت - فمدحه وذكر صهره ورحمه وأنه قد تعلَّق بحباله ولجأ إليه . فأجاره ، ومكث عنده زمانا . ثم بلغ المنذر مكانه عنده فطلبه ، وأنذره عمرو فهرب حتى أتى حمير .

--> [ 1 ] الجد : الحظ . والأشقين : جمع أشقى ، أي وقى بني أسد حظهم إذ وقع العقاب بالأشقين بني أبيهم وهم كنانة . [ 2 ] أفلتهنّ جريضا أي أفلتهنّ بعد جهد ومشقة . والأصل في الجرض : الغصص بالريق . وظاهر أن مرجع الضمير في « أفلتهن » و « أدركنه » الخيل التي كروا بها عليهم . [ 3 ] في الأصول : يعني بأبيهم بني كنانة « وهو غير مستقيم . [ 4 ] التكملة عن « تجريد الأغاني » . [ 5 ] كذا في أ ، م : وجامون : مجتمعون مستريحون . وفي « تجريد الأغاني » : « جاثمون » . وفي سائر الأصول : « حامون » بالحاء المهملة ، وهو تصحيف . [ 6 ] أظن أن صوابه : « بني أسد » .